القاضي عبد الجبار الهمذاني
164
المغني في أبواب التوحيد والعدل
يجب أن يقسم القول فيما يفعله أحدنا ؛ فإن كان فيه منفعة لم يمتنع أن لا يفعله إلا لنفع يعاد لها ، فإن لم يكن فيه مشقة لم يمتنع أن يفعله لأنه حسن وإحسان . فكذلك القول في باب اللطف ؛ لأنه إنما يصير المنع منه كالمنع مما هو لطف فيه متى لم يتخلل الأمر فيه نفع ودفع ضرر ، وخلص الفعل الواقع منه بالمكلف ، فلا يحصل له غرض إلا نفعه فقط . فإذا كانت الحال هذه ، وجب أن يكون المنع منه كالمنع من نفس ما كلف ، أو من التمكين « 1 » مما كلف . وهذه الجملة تسقط سائر ما يورد في هذا الباب ، ومما يقوّى هذه الطريقة أنه ثبت أنه يقبح من المكلف أن يمتنع مما عنده يختار ما كلف ، بل الواجب عليه أن يفعله لكي يفعل ما كلف . وعلى هذه الطريقة تلزم الشرعيات لأنها ألطاف في العقليات : فيقبح من المكلف أن يمتنع من فعلها ، ويصير امتناعه منها في حكم أن يمتنع من العقليات لما كانت لطفا فيها . فيجب أن تكون حال المكلف في تدبير المكلف - إذا تضمن « 2 » بالتكليف حسن النظر له - كحاله فيما يلزمه لنفسه . فيجب أن يفعل ما عنده يختار ما كلفه ، وأن يقبح منه المنع من ذلك كقبح المنع من نفس ما كلف . ويبين صحة ذلك أنه تعالى إنما يكلف العبد فعل الصلاة وغيرها من الألطاف ، إذا لم يكن في مقدوراته ما لو فعله لسدّ مسدّها في اختيار المكلف عندها العقليات . لأنه متى كان الحال هذه فليس تكليفه تعالى هذه الأمور بمنزلة / تكليفه ما هو ( ) « 3 » وما الغرض فيه الثواب فقط . وقد علمنا أن ذلك لا يحسن في الحكمة . فإذا ثبت ذلك ، فلولا أنه يجب عليه تعالى هذه الألطاف لما حسن منه أن يوجب على المكلف ما يكون لطفا
--> ( 1 ) أي المنع من التمكين . ( 2 ) في الأصل : قد تضمن . ( 3 ) مطموس .